12 - 04 - 2026

ملامح| السلطة تضحي بالمقاومة. وإسرائيل تستفرد بلبنان

ملامح| السلطة تضحي بالمقاومة. وإسرائيل تستفرد بلبنان

ليست إسرائيل فحسب التي خرقت الاتفاق الإيراني الأمريكي، ولكن الحكومة والرئاسة اللبنانية أيضا خرقتا الاتفاق.

في الوقت الذي أعلنت فيه طهران بنود الاتفاق العشرة لوقف الهجمات المتبادلة مع إسرائيل وأمريكا، والتي تتضمن وقف القتال على كل الجبهات بما فيها لبنان، التي ذكرت بالاسم ضمن البنود العشرة، قال رئيس الوزراء اللبناني صباح "الأربعاء الأسود" (8 إبريل 2026) "لا أحد يتفاوض باسم لبنان"، بعدها بوقت قليل، أغار الطيران الإسرائيلي على 100 موقع لبناني في 10 دقائق، وكأن رئيس الوزراء اللبناني يمنح الإسرائيلي الضوء الأخضر للاعتداء على الشعب اللبناني.

النهج الذي تتبناه السطة اللبنانية ممثلة في رئيس الدولة ورئيس الحكومة، يتفق مع الرغبة الإسرائيلية التي ـ وفقاً لهيئة البثّ الإسرائيليّةـ قدّمت للولايات المتّحدة قائمة مطالب تشمل إخراج اليورانيوم المخصب من إيران، وإنهاء البرنامج النوويّ، وفصل القتال في لبنان عن الساحة الإيرانيّة.

ورغم النصائح التي قدمت من قبل 15 دولة بما فيها فرنسا (الداعم الأساسي للسلطة اللبنانية، والتي لا تخفي عداءها للمقاومة) وتركيا، ومصر، وباكستان، نصحوا السلطة بالبقاء على طاولة "إسلام آباد"، إلا أن الإصرار على الخروج من دائرة محور المقاومة، الذي تضمر له السلطة اللبنانية العداء، دفعها للتواصل مع واشنطن لإقناع إسرائيل بتلبية رغبتهم في التفاوض بعيداً عن طاولة "إسلام آباد" في الوقت الذي أوقفت فيه طهران إرسال وفدها لباكستان، وأغلقت مضيق هرمز، وأعلن الحرس الثوري الاستعداد لشن هجوم على إسرائيل رداً على المجزرة التي ارتكبت بحق الشعب اللبناني، مهددةً بالانسحاب من المفاوضات لخرق الاتفاق بالعدوان على لبنان، أعلن عن قبول إسرائيل التفاوض مع السلطة اللبنانية في واشنطن يوم الثلاثاء المقبل تحت القصف الساعي لإبادة الحياة في الجنوب اللبناني.

إسرائيل وواشنطن قررتا، إجراء المفاوضات بمقر الخارجية الأمريكية برئاسة السفير الأسرائيلي بالأمم المتحدة، وسفيرة لبنان لدى أمريكا، والسفير الأمريكي في لبنان. واشترطت إسرائيل أن تدور المفاوضات حول نزع سلاح حزب الله تمهيداً للتوصل لاتفاق سلام، وهو ما وافقت عليه السلطة اللبنانية، وكأنها شريك إسرائيلي بموافقتها على نزع سلاح حزب الله كشرط للالتزام بوقف إطلاق النار، وهو ما تتمسك إيران برفضه.

وقد كافئت إسرائيل السلطة اللبنانية بعدم الهجوم على العاصمة بيروت، فيما تستهدف باقي المناطق خاصة الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية للعاصمة.

السلطة اللبنانية قدمت لإسرائيل وواشنطن هدية تبحث عنها، وهي فصل الساحات بمحور المقاومة، فيما تتمسك إيران بوحدة الساحات، ويسعى حزب الله والمقاومة لتغيير معادلات الردع، علماً بأن حزب الله ورفاقه المقاومين يقدمون نجاحات على الأرض منذ دخولهم الحرب في الثاني من مارس 2026، رداً على العدوان الإسرائيلي المستمر منذ اتفاق الهدنة في 27 نوفمبر 2024، وتكبي الاحتلال خسائر فادحة في المعدات والجنود، والحد من توغل جيش الاحتلال داخل الأراضي اللبنانية، فضلاً عن الصواريخ والمسيرات التي تستهدف المستوطنات شمال الأراضي الفلسطينية المحتلة، ومواقع عسكرية واستخباراتية وأمنية وسياسية داخل الأرض المحتلة، كما أوضح الإعلام الإسرائيلي أن "حزب الله" يرسل يوميا ما بين 100 إلى 200 صاروخ ومسيرة للأراضي الفلسطينية المحتلة.  

ما لا يدركه ( الرئيس اللبناني ورئيس حكومته) أن نتنياهو يرى الفرصة مناسبة لاستكمال القطعة المفقودة في حلم إسرائيل الكبرى، وهي لبنان بعد أن أحكم قبضته على الجنوب السوري (جبل الشيخ ودرعا والقنيطرة والجولان) واستفرد بنحو 60% من قطاع غزة، وتوسع البؤر الاستطانية بالضفة الغربية.

نتنياهو يرى القبول بوقف إطلاق النار في لبنان كجزء من صفقة إيران يعني منح حزب الله فرصة ذهبية لإعادة التموضع، والتقاط الأنفس دون دفع الثمن العسكري الذي تطمح إليه إسرائيل، كما يرى أن الجبهة اللبنانية يجب أن تُحل بشروط إسرائيلية ميدانية، وليس كملحق لاتفاق واشنطن وطهران، وهو ما أعلنه نتنياهو منذ اللحظة الأولى لموافقة ترامب على الورقة الإيرانية كأساس للتفاوض بقولة صراحة "ما يحدث في إسلام آباد يخص الملف النووي والممرات المائية فقط، ولا يلزم إسرائيل بوقف عملياتها في لبنان".

لقد نجح نتنياهو، بدعم من السلطة اللبنانية في الاستفراد بلبنان، واستهداف الجيش الإسرائيلي باللبنانيين من جنوب نهر الليطاني وحتى نهر الزهراني، واستغلال الهدنة مع إيران كغطاء لتكثيف الهجوم على لبنان، لإرساء واقع جديد على الأرض، لازالت المقاومة تتصدى له.

نتنياهو يرى لبنان ساحة تصفية حسابات مستقلة، وهو يدرك يقين الإدراك أن أمريكا لن توقفه، ولن تجرؤ على قطع الإمدادت العسكرية أو فرض عقوبات على إسرائيل، لأنها وفقا للصهيونية المسيحية المتحكمة في الولايات المتحدة وحزبي الجمهوري والديمقراطي، هو يسعى لتحقيق حلم إسرائيل الكبرى، لذلك يستمر في سياسة فرض الأمر الواقع في سوريا وفلسطين والآن لبنان، مراهناً على أن أمريكا ستنظف الفوضى التي يتركها خلفه.

يبدو أن الرئيس اللبناني ورئيس حكومته، لم يقرؤا التاريخ، لأنهم لو قرؤه لعلموا، أن مصر استخدمت عقب إعلان ثورة 23 يوليو 1952، المقاومة الشعبية المنظمة بقيادة الدولة لإجبار الاحتلال البريطاني للتوقيع على اتفاقية الجلاء في 19 أكتوبر 1954، لإنهاء 73 عاماً من الاحتلال، وتقرر خروج أخر جندي في 18 يونيو 1956، وخلال العداون الثلاثي الذي بدأ في 29 أكتوبر وانتهى في 23 ديسمبر 1956، دعمت الحكومة المصرية المقاومة التي لعبت دوراً في تحقيق النصر وانسحاب جيوش بريطانيا وفرنسا وإسرائيل، أيضاً عقب هزيمة 5 يونيو 1967، وحتى نصر أكتوبر 1973، كانت المقاومة المدعومة من الحكومة درعاً، وخطاً أمامياً للدفاع عن الوطن المصري.

الخلاصة، المقاومة جزء من الوطن والشعب، لا نعاديها ولا نقاتلها، نساندها لأنها ورقة قوة، لقد ذهب الرئيس السادات لكامب ديفيد وهو مسلح بنصر عسكري، رغم الانقسام السياسي الداخلي، أما أنتما تذهبان بلا أوراق قوة، خاصة والقوى الفاصلة في لبنان ( الدروز والثنائي الشيعي "أمل وحزب الله" والغالبية السنية والمسيحية لا توافق على الاستسلام لإسرائيل في واشنطن.

إن الذهاب إلى واشنطن بلا أوراق قوة ليس تفاوضاً بل هو صك استسلام، وغاب عن أصحاب القرار في بيروت أن الشعوب التي قاومت لا تقبل ببيع تضحياتها في أروقة الخارجية الأمريكية. التاريخ لا يرحم من يفرط في أوراق قوته، ولبنان اليوم، بتركيبته ومقاومته وتاريخه، لن يكون لقمة سائغة في حلم إسرائيل الكبرى مهما بلغت التضحيات.

ولازالت إيران متمسكة بوقف فوري للحرب على لبنان وسط مماطلة أمريكية وإسرائيلية ليوم الثلاثاء، ولازالت إسرائيل تقصف القرى والبلدات اللبنانية، مقابل إطلاق حزب الله والمقاومة للصواريخ والمسيرات على الأراضي المحتلة في فلسطين ولبنان دفاعاً عن الشعب اللبناني.
------------------------------------
بقلم: محمد الضبع


مقالات اخرى للكاتب

ملامح| السلطة تضحي بالمقاومة. وإسرائيل تستفرد بلبنان